حسن الأمين

256

مستدركات أعيان الشيعة

العراضات لله تلك الدروب التي طالما غصت ( بالعراضات ) الدمشقية الحماسية التي لا يشبهها شيء في الدنيا بما فيها من حداء ( شامي ) وفتوة عربية . العراضات التي تسير من حي إلى حي حتى إذا قاربت حدود الحي المجاور هتف هاتفها الرفيع الصوت بالتحية متجاوبة معه جمهرة الرفاق . ويا ما أعذب ذلك الصوت الهادر : أبلي السلام عليكم : ( أي : قبل كل شيء السلام عليكم ) . حتى إذا دوى الصوت في مسامع أبناء الحي المقصود تجمع من أمكن تجمعهم على جانب الشارع وهتف هاتفهم : يا مرحبا فيجيبه المجتمعون حوله : بلي جاي ( بالذي هو آت ) أهلا وسهلا بلي جاي ولا يلبث أن يهرع على الصوت أكثر أبناء الحي تاركين أعمالهم أو بيوتهم للمشاركة بالترحيب بالقادمين ويكون القادمون نوعين : أما ضيوف عابرون في طريقهم إلى حي آخر ، ففي هذه الحالة إذا قاربوا تجاوز حدود الحي هتف هاتفهم ، مودعا ، ويتجاوب معه جميع رفاقه : خاطركم رائحين نروح ، استروا ما شفتو منا فيجيب أبناء الحي بصوت واحد : مع السلامة يا ضيوف وبالله تتمسوا عنا ( تقضون المساء عندنا ) . وإما أن يكون القادمون مدعوين إلى الحي نفسه ولن يتجاوزوه إلى غيره . وهذا يكون إما إجابة دعوة إلى حفلات المولد النبوي ، أو لزيارة حجاج الحي العائدين حديثا ، أو إجابة دعوة إلى حفلة زفاف كبيرة مما يعرف في العرف الشعبي باسم ( تلبيسة ) . أو للصلح بين متخاصمين . وفي هذه الحالة لا يكاد القادمون يلجون الحي حتى يتقدم إليهم اثنان من أهل الحي المزور من أبطال ( لعبة السيف والترس ) التي كان الدمشقيون يبرعون بها كل البراعة . فيبدأ الاثنان متبارزين بسيفيهما وترسيهما لدقائق وقد يتقدم معهما ثالث يكون غالبا بسيفين بدون ترس فيقف بينهما ليضاربهما معا ، وشرطه أن يكون من أبرع المضاربين ، ويعرفونه في الحي باسم ( أبو سيفين ) ، وفي كل حي من يلقب بأبي سيفين . وتستمر لعبة أبناء الحي بضع دقائق ثم تنتهي ليتقدم أبرع أبناء الحي بسيفه فينتدب له من أبناء الحي الزائر أبرعهم ، فيقدم له المزورون ترسا - لأن العادة جرت أن لا ينقل الضيوف معهم أتراسا - فتبدأ المضاربة بين الحيين وتفتتح بهذا النص : صحايف الله والرسول وعلي بن أبي طالب . ثم صحايف عالم الحي ( ويسمونه باسمه ) . ثم صحايف وجهاء الحي وعائلاته المشهورة ( ويسمونهم بأسمائهم ) . ثم صحايف أهل الحي كبير وصغير ( ويعبر عن الحي بلفظ « الحارة » . ويختتم ذلك بعبارة : ( بيض الله وشو ) « وجهه » إذا كان المذكور واحدا . وتستبدل كلمة « وشو » بكلمة « وشهم » إذا كانوا جماعة . وفي هذه اللحظة ينطلق رصاص المسدسات من الفريقين بغزارة . محاولا كل من الفريقين أن يكاثر الفريق الآخر برصاصة مما يمكن اعتباره نوعا من ( عرض العضلات ) . ثم تبدأ المضاربة بالسيف والترس ، وتنتهي على الأغلب بانتصار لاعب الحي المزور ، بنوع من التفاهم الضمني على ذلك لعرف سائد بين الأحياء كلها . وبعد انتهاء الزيارة وعند عزم الضيوف على العودة إلى حيهم يتجمعون وتبدأ ( العراضة ) من جديد فيهتف هاتفها متجاوبة معه جميع الأصوات الزائرة المودعة : خاطركم رائحين نروح استروا ما شفتو منا . فترد أصوات المضيفين الجماعية : ( مع السلامة والدرب سلطاني ) ومدلول عبارة ( سلطاني ) هنا : أن الدرب سهلة سليمة مأمونة ، كالدروب المنسوبة إلى ( السلطان ) . سقى الله أيام ( العراضات ) التي أحسب أنها زالت مع ما زال من التقاليد الشعبية الدمشقية الجميلة . ولله تلك الدروب التي طالما غصت بالمظاهرات الوطنية نقمة على المستعمرين واستقبل فيها الشبان الدمشقيون الرصاص بصدورهم ، وتهاووا على الصعيد صرعى الكفاح الوطني . تلك المظاهرات التي أقضت مضاجع الفرنسيين وحرمتهم لذة الاستقرار . السيران من زقاق المدار إلى الشارع إلى السوق إلى ماذنة الشحم إلى باب الجابية إلى شارع النصر إلى شارع الحجاز انطلاقا إلى خارج دمشق ، إلى الربوة . طالما مشت بنا المركبات المجرورة بالخيل فاجتزنا ذلك الوادي الجميل بين فروع بردى المتدفقة ثم انتهينا إلى مجلس من مجالس الربوة ففرشنا ( السجادات ) واشتعل السماور ودارت أكواب الشاي ثم انتظمت المائدة المحمولة ( بالمطبقيات ) من البيوت ، تلك ( المطبقيات ) ذات الصحون العميقة التي يوضع بعضها فوق بعض ثم تغطي من أعلاها بغطاء وتشد من جانبيها شدا محكما بما يربطها من أسفلها إلى أعلاها . تلك ( المطبقيات ) التي تحمل ألوان الطعام الدمشقي اللذيذ من البيوت الكريمة السخية فتتنوع المائدة في ( السيران ) وتكثر ألوانها وقد لا يحمل الطعام في ( المطبقيات ) بل يتكفل أحد أصحاب ( السيران ) بدعوة رفاقه ونقل الطعام إليهم إما من صنع بيته ، أو - على الأغلب - بان يكون الطعام من ( الصفيحة ) . المصنوعة عند اللحام والمنضجة في الفرن